في الصمت الذي تلى قتل أنطون سعاده عام 1949، بعد بضعة أشهر فقط من زرع كيان غريب كشوكة عميقة في خاصرة الهلال الخصيب، بدأ مشروع متناقض يتضح، لمن يريد أن يرى.
حكموا بالإعدام على هذا المناضل المدافع عن فكرة مشرق طبيعي متنوع، منفتح ومتكامل، بهدف تنفيذ مشروع هيمنة على تلك المساحة الجغرافية بأكملها. من النيل إلى الفرات.
الخرائط تكاد أن تتطابق ويظن البعض أنها تتشابه، لكن في الواقع أن كل شيء بينهما متناقض، لا في الشكل بل في الجوهر.
أرض المشرق ليست أرض ميعاد مزعوم. إنها أرض مُزج فيها عبر التاريخ الترابُ بالروح.
أرض المشرق ليست وعداً إلهياً لشعب مختار، بل حقيقة جغرافية واستراتيجية، بممراتها وسهولها وثرواتها وجبالها المتصلة بالبحر وشمسها وشعوبها وأنبيائها ومجتمعاتها.
إنها أرض شعوب وثقافات متنوعة. أرض تجد قاعدتها في الجغرافيا وتتوحد حول حضارتها.
أرض المشرق لم تُبنَ على سرديات مركّبة كاذبة بل على تاريخ عميق متجذّر.
أرض المشرق ليست أرض جدران وأسوار وانعزال وحقد وتمييز وعنف، بل أرض انفتاح وتفاعل.
أرض المشرق لا هيكل واحد فيها من حجر، يُقتل باسمه أطفال، بل هياكل من بشر مؤمنين، صابرين، صامدين، رحومين. أرض كل ذرة تراب فيها هيكل، كل شجرة زيتون هيكل، كل إنسان هيكل.
أرض المشرق هي أرض الأديان لا الدين الواحد. ولو أن مناصري المشروع الآخر، الذين تبنّوا سردياته، حوّلوا الأديان إلى طوائف وإثنيات وأقليات تتناحر.
هي أرض التنوع لا أرض اللون الواحد والعنصرية.
إنها كنز إنساني وحضاري ثمين لا قاعدة عسكرية تنشر الموت والرعب والدمار.
يقولون ماذا تبقّى من المشرق؟ دوله الخمس مفتّتة، شعوبه مقسّمة، مجتمعاته متآكلة أضاعت بوصلتها ونسيت هويتها، إنسانه مشرّد، مهاجر، جائع.
مشرق اليوم فقير، مستعمَر، فاسد، لا ينتج.
مشرق انطفأت شعلته وتفكّكت أوصاله.
يقولون مشرق الأمس انتهى ومشرق الغد بعيد.
نقول إنه في عالم الغد إما أن يكون مشرق أو لا يكون إنسان.
لم يُدفن فكر سعاده في قبر النسيان وفي نعش البؤس، وهو الذي كان من أوائل المناضلين الذين تصدّوا لمشروع تجزئة المشرق وإغراقه في مستنقع الصراعات الطائفية والعرقية. اختار سعاده أن يعود من المنفى، وبين الموت أو التسوية، حدّد سعاده خياره. واليوم أكثر من أي وقت مضى، نقول إنه كان على حق.
فكره كالمشرق، كنز يُسرق، يُشوَّه، يُنهب، يُمزَّق، يُذبح، ينزف، يُقطَّع ألف قطعة، لكنه لا يزال حياً.
لذلك نؤمن بأنه سيأتي يوم تنبعث فيه روح المشرق مجدداً. من الفرات إلى النيل. وأرض الجنوب وأهلها هم على ذلك شاهدون ومن أجلها يستشهدون!